Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer la page Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Le blog de Amani

Le blog de Amani

Des passages inspirants de la littérature et de la poésie ❤


لغز المرأة - مـيخائيـل نـعيمـه

Publié par Amani

 

لغز المرأة

 

ليس من الغرابة في شيء أن نرى في المرأة لغزاً يصعب علينا حلّه . ولكن الغرابة كلّ الغرابة أن نتكلّم عن المرأة كما لو كانت اللغز الوحيد الذي أشكل علينا حلّه . فكأنّ شقيقها الرجل كتاب مفتوح لا يعوزنا لفهمه إلّا معرفة القراءة البسيطة . وكأنّ كلّ ما عداها من الكائنات ما بين ناطقة وعجماء , وحيّة وجامدة , أمور تافهة يكفينا لفهمها أن نتناولها بحاسّة من حواسّنا الخمس . لعمري إنّ ذلك منتهى السذاجة .
إن تكن المرأة لغزاً فلأن الرجل لغز . أو يكن الإنسان بشطريه المؤنث والمذكر لغزاً , فلأنّه يعيش في عالم كلّ ما فيه ألغاز . وأي شيء في هذه الأكوان ليس لغزاً للإنسان ؟ أهي الأرض بشكلها وحجمها ودورانها الأبدي حول محورها وحول الشمس ؟ أم هي نباتات الأرض وحيواناتها ومعادنها على اختلاف أصنافها ؟ أم هو جوّ الأرض بما فيه من مجارٍ سرية للنور والفكر والشعور ؟ أهو الزمان وأين يبتدئ وينتهي ؟ أم هو الفضاء بكلّ ما فيه من عوالم لا تقع تحت حصر ووصف ؟
إنّه ليكفيك كلّما فكّرت في شيء من الأشياء أو حدث من الأحداث أن تسأل نفسك : (( لماذا ؟ )) لتعرف أنّك في حضرة لغز من الألغاز .
فأنت لا تدري لماذا تكوّنت الأشياء كما هي لا على غير ما هي . ولماذا تحدث الأحداث حينما تحدث , لا قبل ذلك بدقيقة ولا بعده بطرفة عين . وإن أنت خدعت نفسك فتوهّمت أنّك واقف على أسرار جميع الأشياء والأحداث , فأنت بالعبادة أولى منك بمطالعة هذا المقال .
أجل . نحن ألغاز في عالم كلّه ألغاز . وهذه الألغاز قد تشابكت وتداخلت في شكل يتعذّر علينا معه حلّ واحد منها إلّا أن نحلّ ما قبله وما بعده . فكأنّها الأبواب الموصدة . أما مفتاحها فواحد . فإن أنت حظيت به فتحت جميع أبواب الكون من أصغرها إلى أكبرها ومن أقربها إلى أبعدها .
والآن قد تسألني عن ذلك المفتاح أين هو ؟ فأجيبك بأنّه فيك . وقديماً قيل (( اعرف نفسك )) فليس أقرب منك إليك . وليس أدعى إلى دهشتك من نفسك . فحريٌّ بك أن تبدأ بدرسها وحلّ ألغازها , قبل أن تبدأ بدرس غيرك من الكائنات وتهتمّ بحلّ ألغازها . فهي ما كانت ألغازاً إلّا لأنّك لغز . فمتى اهتديت إلى حلّ اللغز الذي هو أنت , اهتديت إلى مفتاح كلّ لغز سواه . ومعنى ذلك أنّه يوم تعرف نفسك تعرف الكون . وهل في مستطاع الإنسان أن يعرف نفسه ؟
ما في ذلك أقلّ الشكّ عندي . أما يذهلك إذ تتأمّل الأكوان من حواليك أن تراك الكائن الأوحد على الأرض , الذي ما انفكّ منذ أن وُجد يسأل نفسه (( من أنا ؟ )) فأنت , من بين كلّ الألغاز التي تصابحك وتماسيك في كلّ يوم من حياتك ــ على الأرض وفوق الأرض ــ أنت وحدك تفتّش عن مفتاح المعرفة . أمّا الأشجار في غابها , والأسماك في بحارها , والطير في أجوائها , والزحافات والدبابات في أحجارها , فما تهتمّ بذلك المفتاح ولا تفتّش عنه . بل إنّها لا تشعر بأن هنالك أبواباً موصدة لا تهنأ لها حياة إلّا بفتحها . أمّا أنت فتشعر , وإذ تشعر تفكّر , وإذ تفكّر تراك مدفوعاً إلى السعي والتفتيش . ولن يهدأ لك بال أو يستقرّ لك حال حتى تهتدي إلى المفتاح الذي تفتّش عنه .
* * *
أترانا إذ نفتّش عن المعرفة إنّما نفتّش عن عنقاء مغرب ؟
ذاك ما يقول به الذين أجهدهم التفتيش , ولا صبر لهم على الثبات حتى النهاية . أولئك هم القانطون والمتشائمون والمستهترون والساخرون بكلّ من دأبُه التفتيش وإيمانه بالفوز لا حدّ له . أمّا أنا فلست , والحمد لله , من القانطين ولا المتشائمين ولا المستهترين ولا الساخرين . وعندي أن الدافع الخفيّ الذي يدفعنا إلى التفتيش , هو الكفيل بوجود ما نفتّش عنه وبالقدرة الكامنة فينا على الوصول إليه .
فمثلما يفتّش الطفل عند ولادته عن ثدي أمّه مدفوعاً بغريزة تكفل له وجود ذلك الثدي , هكذا نفتّش نحن عن المعرفة مدفوعين بغريزة تكفل لنا وجود تلك المعرفة , وتكفل فوق ذلك قدرتنا على بلوغها . أليس أن الجوع إلى الخبز كفيل بوجود الخبز , وبوجود أجهزة تقوى على مضغ الخبز وهضمه وتحويله إلى دم ولحم وعضل ؟ كذلك قل في الماء والعطش إلى الماء . وكذلك قل في المعرفة والشوق إلى المعرفة . إلّا أنّ الطريق إلى المعرفة لمن يشتاق المعرفة غير طريق الجائع إلى الرغيف والعطشان إلى الماء . وجهاز هضم المعرفة غير جهاز هضم الخبز والماء . فالمعرفة , متى بلغناها , كانت لنا غذاء أبديّاً يغنينا عن كلّ غذاء سواه . فلا غرو أن يستغرق التفتيش عنها أدهاراً لا أعماراً ولا أجيالاً . وهي لا تنفتح لجميع الناس دفعة واحدة , بل لأفراد بعد أفراد . ذاك لأنّ الناس لا يشتاقونها ويفتشون عنها بدرجة واحدة . والفرق ما بين شوق إنسان وإنسان إلى المعرفة , من حيث الحرارة والمدى , كالفرق ما بين أتون مستعر وركام من الجليد , وكالفرق ما بين إعصار هاصر ونفَس تطلقه من صدرك .
ولنرجع الآن إلى المرأة . إنّها لغز وأي لغز , ولكنه لغز إذا أشكل علينا حلّه اليوم فلن يشكل إلى الأبد . وبالأخص على الذين لا يقفون في نظرهم إلى المرأة عند مظاهرها الخارجية ووظائفها الجسدية . فهي عند هؤلاء أكثر من أنثى , وأكثر من مستودع للبذار البشري . وفتنتها ليست بما يتأجّج في لحمها ودمها من شهوات متضاربة , بل بما يجيش في كيانها من الشوق إلى الهناءة والسعادة والحظوة بحياة لا تنهزم من أمام الموت بانهزام اللحم والدم . وهذه كلّها لا تكون بغير المعرفة ــ معرفة النفس التي تفتح الباب لمعرفة كلّ شيء . فغاية المرأة من وجودها هي غاية الرجل عين بعين . ولكنها غاية يتعذّر على المرأة إدراكها بغير الرجل , وعلى الرجل بغير المرأة . وفي ذلك كنه اللغز الذي هو الإنسان .
وما هو الإنسان ؟
أيجوز أن ندعو الرجل إنساناً , وهو لولا المرأة لما كان رجلاً ؟ أو أن ندعو المرأة إنساناً , وهي لولا الرجل لما كانت امرأة ؟
إنّما المرأة نصف إنسان . وإنّما الرجل نصف إنسان . أمّا الإنسان الكامل فلا يكون إلّا بالاثنين متّحدين . وإذنْ كان من العبث أن نتكلّم عن لغز هو المرأة من غير أن نتكلّم في الوقت عينه عن لغز هو الرجل . وكان من الجهل المطبق أن نحاول حلّ اللغز الذي هو الإنسان بحلّ نصفه الواحد دون الآخر .
إن في انشطار الإنسان وما دونه من الكائنات الحية إلى شطرين , أحدهما ذكر والآخر أنثى , لحكمة تفوق حدّ التصوّر . فالكائن الفرد من نوعه لا نصيب له من الحياة إلّا الجمود . فلا وعي , ولا سعي , ولا شهوة , ولا هدف , ولا إرادة . ولا أمل له بالمعرفة , إذ ليس في الكائنات ما يشبهه فيكون له محكّاً وحافزاً , ويكون له مرآة يبصر فيها نفسه فيتأمّلها ويدرسها . وهو إذ ذاك أشبه ما يكون بسلك مشحون بالكهرباء السلبيّة أو الإيجابيّة . فلا هو نور ولا هو ظلام , ولا هو حرارة ولا برودة .
كذلك كان آدم قبل أن تكون له حواء , أي قبل أن يصبح ذكراً وأنثى . أمّا بعد أن انشطر شطرين , فقد راح كلّ شطر يفتّش عن الآخر ليكتمل به . فكان احتكاك , وكان نور , وكانت حرارة , وكان سعي , وكان وعي , وكانت شهوة , وكان فكر , وكان هدف , وكانت إرادة , وكان شوق وحنين إلى المعرفة , فإلى الغلبة على الموت , فإلى الاكتمال .
تلك خاطرة ألقي بها إلى الكتّاب والشّعراء الذين لا يحلو لهم شيء مثلما يحلو لهم التحدث عن المرأة وألغازها . فهي عندهم الشيطان وهي الملاك . وهي باب التهلكة ومعين الإلهام . وهي الحمامة الوديعة والحيّة الرقطاء . وهي مصدر اللّذّة وينبوع الألم . وهي التي تحبّ وما لحبّها ثبات . وتكره ما لكرهها آخر . دموعها بسمات , وبسماتها دموع . وهي التي لا حياة للرجل معها ولا حياة له بدونها . ذاك هرف وافتراء وهراء . فالمرأة في كلّ ما تعمل وتشتهي وتفكّر إنّما تفتّش عن ذاتها في شطرها الآخر الذي هو الرجل . وما يقال في المرأة يقال في الرجل . فالاثنان يسعيان أبداً , عن وعي وعن غير وعي , إلى المعرفة التي يستحيل أن تتمّ للواحد بدون الآخر . وكلّ ما يصدر عن كليهما من أفكار ومشاعر وأعمال تجاه رفيقه وتجاه الكائنات , شبيه كلّ الشبه بحركات من يتحسّس طريقه في الظلام . فآناً يظنّه وجد الطريق فيطرب . وآونة يراه ضلّه فيضطرب . ولكنه لا ينثني عن المشي والتفتيش لأنّه يؤمن بوجود الطريق وبانبلاج الفجر من كبد الظلام .
أمّا تحديد النسل الذي يبدو لنا كما لو كان الغاية الأولى والأخيرة من وجود المرأة , فليس أكثر من حافز قوي للرجل والمرأة معاً في تفتيشهما عن المعرفة . وأيّ معنى لنسل يتجدّد جيلاً بعد جيل لا لغاية (( إلّا ليأكل ويشرب )) , ويسعد ويشقى , ويغدو في النهاية طعاماً للدود ؟ ألا ان للنسل معنى أبعد من ذلك بكثير . فهو الرباط الوثيق الذي ربطت به الطبيعة الرجل والمرأة كيلا يغرب عن بالهما أنّهما شطران متساويان لكائن واحد هو الإنسان . وهو القنطرة التي تصل الأعمار بالأعمار كيما يكون للإنسان متّسع من الزمان للوصول إلى المعرفة التي يستحيل عليه الوصول إليها في عمر واحد .
إنّما النسل المصهر الحسّي للرجل والمرأة بالسواء . ففي النسل يتلاقى شطرا الإنسان فيتعارفان ويتّحدان . وفي النسل ينسى الذكر أنّه ذكر , والأنثى أنّها أنثى . فيصبح الأوّل والداً وتصبح الثانية والدة . وفي قولنا (( والد )) و (( والدة )) من جميل المعاني ونبيل المشاعر ما لا أثر له في قولنا (( ذكر )) و (( أنثى )) , أو في قولنا (( رجل )) و (( امرأة )) . والوالد والوالدة يسبغان على النسل أشرف ما فيهما من العطف والحنان والمحبّة , وذلك بغير حساب . فكأن الولد هو المفتاح الذي به تنفتح للوالدين خزائن الكنوز الربانيّة التي أودعتها الطبيعة كيانهما المشترك . وأندرها وأثمنها المحبّة .
أقول (( المحبّة )) ولا أقول (( الحبّ )) إذا أنّني أشتمّ في الكلمة الأولى أريج الألوهة المنزهة عن اللحم والدم . وأما الثانية فتفوح منها روائح الغرائز الحيوانيّة التي ليست سوى الممهِّد إلى المحبّة المتسامية عن كلّ شوق غير شوق الفناء في من تحبّ . وهذه المحبّة هي المصهر الروحي للرجل والمرأة . وفي اعتقادي أن الرجل والمرأة سيبقى واحدهما لغزاً للآخر , ما داما في قبضة اللحم والدم . أمّا متى انصهرا بنار المحبّة الصافية وفني واحدهما في الآخر , فهما إذ ذاك إنسان واحد قابض بيمناه على الأزل وبيسراه على الأبد . وعارف بكلّ ما كان وما سيكون . فلا هو لغز لنفسه , ولا أبواب في الأرض والسماء موصدة دون إرادته وفهمه .

مـيخائيـل نـعيمـه ــ من كتاب النورُ والدّيجُور

مـيخائيـل نـعيمـه
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Archives

Nous sommes sociaux !

Articles récents